Friday, May 4, 2012

Test Post

البوم حربي



البحر هو المصدر الرئيسي الذي إعتمد عليه أهل الكويت قديما كمصدر أساسي للرزق وكسب العيش، ومن هنا برزت أهمية السفن الشراعية كوسيلة مهمة لممارسة حرفة الغوص على اللؤلؤ والتجارة مع الهند وسواحل أفريقيا الشرقية.
وبعد ظهور النفط في الكويت قل الإهتمام بالسفن الشراعية حيث لم يعد هناك حاجة لإستخدامها بعد توفر هذا المصدر الجديد للدخل وإختفت الأبوام من على سواحل الكويت، فمنها ماتم بيعه والبعض الآخر بقي واقفا على سواحل البحر حتى إندثر.
ويعتبر البوم الكويتي رمزا لحقبة تاريخية مرت على دولة الكويت، فهو يعبر عن قوة وعزيمة أهل الكويت في تحدي الصعاب والظروف القاسية من أجل لقمة العيش الكريمة.
وتحقيقا لرغبة صاحب السمو أمير البلاد، المغفور له بإذن الله الشيخ / جابر الأحمد الجابر الصباح في الحفاظ على أحد السفن الشراعية القديمة كموروث شعبي وتاريخي لدولة الكويت، قام المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب ممثلا بإدارة الآثار والمتاحف بالتعاون مع مؤسسة الكويت للتقدم العلمي بإستعادة البوم الكويتي "حربي" بعد شرائه من أحد التجار في إمارة دبي، وذلك لحفظه للأجيال القادمة.
 ولقد كان لي شرف المشاركة في إستعادة البوم "حربي" حيث أوكلت إلي مهمة رفع البوم ونقله. ففي أواخر شهر ديسمبر من عام 2003 م إتصل بي السيد / شهاب عبدالحميد شهاب – مدير إدارة الآثار والمتاحف في المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب طالبا مني المساعدة في هذا الأمر وأفاد كذلك عن عجز المقاول المتعهد عن تنفيذ العمل حيث فشل في رفع البوم من الماء وكادت عملية الرفع الخاطيء أن تؤدي إلى إعطاب البوم.
وبعد الحصول على الموافقة من الجهات المختصة في شركة نفط الكويت والتي كنت أعمل فيها في ذلك الحين، قمت بتشكيل فريق عمل من المهندسين والمختصين في أمور الرفع البحري، ولقد بدأت الإستعدادات لعمليات الرفع والنقل والإنزال في السابع من يناير عام 2004 م وذلك بالقيام بدراسة تفصيلية لحجم وشكل ووزن البوم وما يحتويه من معدات تمهيدا لإعداد الخطة المناسبة للرفع والنقل والإنزال والتي إستغرقت مايقارب الإسبوعين من العمل المتواصل. وتم توفير المواد والمعدات اللازمة للعملية، حيث تبرعت شركة نفط الكويت برافعتين طاقة كل منهما 150 طنا وتم إستئجار رافعة بحرية عائمة بتكلفة 6000 دينار كويتي بالإضافة إلى شاحنة متخصصة في نقل الأحمال الثقيلة بتكلفة 4000 دينار كويتي، هذا بالإضافة إلى تصنيع أحزمة رفع خاصة بالعملية في دولة الإمارات العربية المتحدة.
وبعد إستكمال جميع الإستعدادات اللازمة والتأكد من سلامتها بالنسبة للبوم والعاملين على حد سواء، تقرر البدء في مشروع الرفع والنقل والإنزال وذلك في يوم الخميس الثاني والعشرين من شهر يناير 2004. وقد تمت العملية على أربعة مراحل كالتالي:
أولا
رفع البوم من البحر في المرسى المخصص له في نادي اليخوت "الشعب البحري" وذلك بالإستعانة برافعة بحرية بطاقة 120 طن تم إستئجارها من السوق المحلي. وقد إستغرقت عملية الرفع والإعداد لها يوما كاملا من العمل المتواصل. وفي تمام الساعة العاشرة مساء تم وضع البوم على الشاحنة الخاصة بعملية النقل (حمولة 200 طن) والتي تم إستئجارها للمشروع من شركة الحص للنقليات، وهي من أحدث الشاحنات والتي توفرت فيها جميع متطلبات السلامة ونظم التحكم الإلكتروني الدقيق لمثل هذه العملية البالغة التعقيد.
ثانيا
نقل البوم على الشاحنة من رصيف المرسى إلى ساحة مواقف السيارات القريب، إستعدادا للمرحلة التالية، بعد تثبيت البوم على الشاحنة بالشكل السليم، تحسبا لأي تحرك مفاجيء.
ثالثا
عملية النقل عبر شارع الخليج العربي للمسافة الممتدة من نادي اليخوت في منطقة الشعب البحري إلى المدرسة الشرقية قبالة سوق شرق وبمسافة تقدر بخمسة عشر كيلومترا. وقد إضطررت لنقل البوم عكس السير وذلك لتلافي الإصطدام بإشارات المرور، نظرا لإرتفاع البوم الذي يبلغ 8 أمتار. وقد قامت وزارة الداخلية ممثلة بالعقيد (آن ذاك) / أنور الياسين – مدير عام أمن الدوريات بتأمين المسيرة وذلك بالإستعانة بما يزيد على السبعين من سيارات دوريات المرور والتي قامت بإغلاق شارع الخليج العربي ولأول مرة في تاريخ الكويت لمدة خمسة ساعات متواصلة. وقد بدأت عملية النقل في تمام الساعة الواحدة من صباح يوم الإثنين السادس والعشرين من شهر يناير 2004 م حيث أطلقت إشارة البدء. وقد إستغرقت المسيرة مايقارب الخمس ساعات من السير البطيء عكس إتجاه السير وإتخاذ أقصى معدلات السلامة للأفراد والمعدات والبوم على وجه الخصوص، لما يمثله من موروث تراثي ثمين.
رابعا
بعد الوصول إلى الموقع النهائي، بجانب المدرسة الشرقة ومن الجهة الشرقية منها، وكان ذلك حوالي الساعة السادسة صباحا، بدأت الإستعدادات لعملية الإنزل وذلك بالإستعانة برافعتي شركة نفط الكويت واللتين تبرعت بهما الشركة مشكورة لهذا المشروع الوطني. وقد تمت عملية إنزال البوم "حربي" في الموقع المخصص له بسلام في تمام الساعة العاشرة من صبيحة يوم الإثنين السادس والعشرين من شهر يناير عام 2004 م.
ومما يدعو للفخر أن فريق العمل نفذ عمليات الرفع والنقل والإنزال دون أي حوادث، أي كان حجمها ولله الحمد.
وقد تم عمل فيلم وثائقي يسجل بالكلمة والصورة جميع مراحل المشروع ليحتفظ به في المتحف الوطني كشاهد على هذا الحدث التاريخي. بالإضافة إلى ذلك تم إهداء نسخة من الفيلم الوثائقي إلى المغفور له بإذن الله، صاحب السمو الشيخ / جابر الأحمد الصباح.
معلومات عامة عن البوم
الطول الكلي                                32 متر
العرض                                7 أمتار
الإرتفاع                               8 أمتار
الوزن                                  90 طن تقريبا

وفيما يلي مقالة كتبها الدكتور يعقوب الحجي عن قصة إسترجاع البوم "حربي" تم نشرها في الرسالة الدوريةالتي تصدر عن مركز البحوث والدراسات الكويتية (رسالة الكويت) في العدد 7 يونيو 2004 م.

 "حربي" سفينة شراعية خشبية، وعودتها إلى الوطن لها قصة يمكن أن تروى هنا بإختصار، فهي واحدة من أسطول الكويت الشراعي الذي رفع إسم الكويت وعلمها في كثير من موانيء الكويت والمحيط الهندي وبحر العرب، وبفضله عرفت الكويت بريادتها البحرية قبل أن يكتشف البترول في أراضيها ويضع حدا لنشاط الملاحة الشراعية المتميز.
كانت الكويت في الأربعينيات من القرن العشرين أيام حكم الشيخ أحمد الجابر الصباح في حاجة ماسة إلى صنع سفن كبيرة لنقل البضائع من البواخر إلى رصيف الجمرك المطل على البحر. لذا تعاقد المسؤلون في شركة النقل والتنزيل (شركة حمال باشي) مع صانع السفن الشهير أحمد بن سلمان لصنع عدة سفن تستخدم في نقل هذه البضائع، فقام هذا الأستاد بصنع العديد من هذه السفن، وكانت إحداها السفينة (حربي) التي نقصدها في هذا الحديث.
وإستخدمت (حربي) في إيصال البضائع من البواخر إلى الجمرك طوال فترة الأربعينيات وجزء من الخمسينيات حتى أنشيء ميناء الشويخ عام 1953 م فتم الإستغناء عنها.
ولكن الحاجة إليها لم تتوقف، فقد إشتراها من شركة النقل والتنزيل شخص يدعى عبدالوهاب إسماعيل (من أهالي الكويت)، وأوصى صانع السفن جاسم عبدالرسول الأستاد بإعدادها وجعلها سفينة صالحة لنقل البضائع بين مختلف موانيء الخليج، فتم تحويل (حربي) من سفينة (حمال باشي) إلى (بوم قطاعه) حيث قامت هذه السفينة برحلات داخل الخليج حتى قرر مالكها بيعها (في عام 1962 م)إلى الشيخ أحمد بن على آل ثاني بعد أن أدخل فيها محركا بدل الشراع. ولقد إستخدمها الشيخ أحمد في رحلات خاصة به ثم باعها إلى أحد أهالي جزيرة (دلما) الذي إستخدمها عددا من السنين قبل أن يشتريها أحد التجار في إمارة دبي، وتبدا من هنا رحلة عودتها إلى الوطن الأم – الكويت.
ففي شهر مارس 2003 م تلقى الأستاذ – شهاب عبدالحميد شهاب – مدير إدارة الآثار والمتاحف في الكويت – رسالة من قنصل الكويت في دبي يخبره فيها أن هناك سفينة كويتية معروضة للبيع (عند أحد التجار في دبي)، وأن صاحبها يود أن يقوم أحد المسؤلين بزيارة دبي للإطلاع عليها. وبالفعل إصطحب الأستاذ شهاب زميله الدكتور يعقوب الحجي معه في رحلة إلى دبي لمشاهدة هذا المأثور الشعبي القيم، والتأكد من صحة نسبته إلى الكويت.
وفي منطقة الجداف في دبي، كان (حربي) راسيا بكل شموخ رافعا مقدمته (الساطور) فوق الماء، فكان إنطباع الأخ شهاب وزميله حين مشاهدتهما له إنطباعا طيبا بكل تأكيد. لقد شاهداه عن بعد، ثم ركبا فوق سطحه وتجولا فيه، وألقيا الكثير من الأسئلة على مالكه، إضافة إلى إلتقاط الصور الفوتوغرافية له، ثم عادا إلى الكويت لعرض مشاهداتهما على المسؤلين فيها.
وقبل الموافقة على شراء (حربي) وإعادته إلى وطنه كان لابد من التأكد من أنه سفينة كويتية وأن تاريخها معروف. لذا تم إرسال الأستاد علي بن جاسم الصباغه في رحلة خاصة إلى دبي لفحص السفينة وللتاكد من أنها صناعة كويتية، وهذا ماتم بالفعل. وعاد الأستاد على الصباغه ليؤكد للمسؤلين أن (حربي) سفينة كويتية الصنع، فتمت الإتصالات بين الأستاذ بدر الرفاعي – الأمين العام للمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، والدكتور علي الشملان – المدير العام لمؤسسة الكويت للتقدم العلمي، الذي رفع الأمر – أمر شراء حربي – إلى حضرة صاحب السمو أمير البلاد (ورئيس مؤسسة الكويت للتقدم العلمي) لأخذ رأيه في هذا الأمر، فرحب صاحب السمو وأمر بالسعي لإعادة (حربي) إلى الكويت، وذلك بتمويل ودعم من هذه المؤسسة الرائدة. وفي شهر يوليو من عام 2003 م وصل (حربي) إلى الكويت، تجره إحدى السفن التي كانت محملة بالبضائع، فكان عودا حميدا ل(حربي) بعد غياب قارب نحو أربعين عاما.
لكن نقل حربي من الماء (في بندر الدوحة الكويتي) إلى اليابسة لصيانته وإصلاحه لم يتحقق إلا بعد ستة أشهر من وصوله، ولقد شارك في هذا الجهد العديد من الهيئات والمسؤلين والشركات. فتم نتيجة لجهودهم المشكورة رفع (حربي) ونقله على سطح شاحنة ضخمة إلى موقعه الحالي خلف المدرسة الشرقية القديمة.
كان بوم (حربي) قد بدت عليه آثار السنين، وبه ألواح تحتاج إلى إستبدال أو صيانة، كما كان يحتاج إلى إعادته إلى هيئته الأصلية كسفينة تسير بفعل الهواء والشراع بدلا من المحرك، فكان هذا العمل هو الذي كلف به الأستاد عل الصباغة من قبل المسؤل في المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب - المهندس علي اليوحة – مدير إدارة الشؤون المعمارية والهندسية.
بدأ الأستاد علي الصباغه بإستبدال الألواح القديمة باخرى جديدة مستخدما مالديه من خبرة طويلة في هذا المجال، يساعده بعض القلاليف الهنود إضافة إلى القلاف سيد سلمان لإعداده كي يكون واحدا من أسطول السفن الشراعية التي كتب لها السلامة والإستمرارية في وقت ضاعت (وتشترت) فيه المئات من السفن الشراعية الكويتية، بعد أن إنعدم الإهتمام بها في السنوات التي تلت إكتشاف البترول وتصديره في الكويت، والأمل معقود على تمكن المسؤلين من إيجاد المكان المناسب لعرض (حربي) كشاهد على تراث أهل الكويت البحري، وعلى سنوات الشراع الكويتي، التي ذهبت إلى الأبد.
وهاهو بوم (حربي) يقف بين أيديكم اليوم بعد أن تم الإنتهاء من عمل الصيانة اللازمة له، فأخذ المسؤلون في المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب وعلى رأسهم الأمين العام السيد بدر الرفاعي بضرورة ظهور هذا الإرث بالمظهر اللائق والمشرف.
فكان إحدى فعاليات مهرجان القرين الثقافي الحادي عشر ليكون شاهدا على إهتمام حضرة صاحب السمو أمير البلاد والمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب في الحفاظ على الموروث الثقافي والتراث الكويتي.

No comments:

Post a Comment